
تستند جودة أي نظام تربوي إلى معادلة دقيقة وحاسمة: التكوين يصنع الكفاية المهنية، والتفتيش يختبر حضورها في الميدان. وبين هاتين الوظيفين تتشكل “حلقة الجودة” التي تمنح المنظومة ديناميكيتها الحية: تكوين أولي ←ممارسة ميدانية ← تقويم وتشخيص ← تكوين مستمر علاجي ← تقويم أثر الأداء.
غير أن المتأمل في واقع البنية الإدارية والتربوية لوزارة التربية وإصلاح النظام التعليمي في موريتانيا يلحظ اختلالاً كبيراً في هذا الميزان المفهومي والتنظيمي. لقد أدى تراكم الممارسات الإدارية وتداخل الصلاحيات إلى تمدد سلك التفتيش ليتحول — بحكم الأمر الواقع — من حلقة تقويم وتأطير إلى قناة حصرية احتكرت الرؤية والتخطيط والتأطير، في مقابل تدن غير مبرر لمكانة وحضور سلك المكونين وهيئات التكوين الأصيلة منأصحاب الاختصاص الرئيسي في تكوين المعلم حجز الزاوية للعملية التربوية بإكسابه المهارات التربوية.
إن هذا الوضع لا يمس بوزن الأفراد، بل يمس عمق العقل التنظيمي للمنظومة؛ مما يفرض الحاجة إلى نقاش مؤسسي هادئ يستجلي الاختلالات الهيكلية ويعيد التوازن المفقود بين من يكوّن ومن يقوّم.
أولاً: مظاهر الاختلال الأربعة في المنظومة التربوية الوطنية:
يمكن تشخيص الاختلال التنظيمي الحالي في أربعة محاور رئيسية تكشف تراجع الشريك التكويني لصالح جهاز التفقد والرقابة:
لا يكمن الإشكال الموريتاني في غياب مدارس التكوين أو الدورات التدريبية؛ بل في غياب قيادة مركزية متخصصة ومستقلة لتكوين المعلمين وتطوير مهن التربية تتكفل بهندسة التكوين الأولي والمستمر من لحظة الانتماء إلى المهنة وحتى التقاعد. لقد أدى تغييب هذه القيادة المؤسسية بالتوازي مع الهيمنة التاريخية لسلك التفتيش إلى تمركز معظم الوظائف القيادية الموجهة للسياسات والبرامج في سلك مهني واحد؛ مما أفرغ عملية اتخاذ القرار من التعددية المهنية التي تتطلبها قطاعات معقدة تجمع بين المناهج، والتخطيط، والتكوين، والتقويم.
تجلت أزمة المفهوم بشكل أوضح عند التعامل مع العجز الميداني عبر اكتتاب “مقدمي خدمات التعليم” لعام الدراسي 2026 – 2027. فبدلاً من إخضاع هؤلاء لمنظومة تكوين مهنية صلبة يُشرف عليها أصحاب الاختصاص من المكونين، أُلقيت مسؤولية إعدادهم وتأطيرهم الميداني شبه الكامل على عاتق المفتشين. وهنا حدث خلط خطير بين سؤالين مختلفين جوهرياً:
سؤال المفتش (سؤال تقويمي): هل يمتلك المدرس الكفاية وكيف يطبقها؟
سؤال المكوّن (سؤال بنائي): كيف نكسب المدرس هذه الكفاية وما المناهج والأدوات الكفيلة ببنائها؟
إن قيام المفتش بالتكوين مع وجود المكون يطل خطأً في ذاتهبسبب اسناد اختصاص لمفضول مع وجود الأفضل، كما يقودتحويل التفتيش إلى قناة حصرية للتأطير على حساب تهميش سلك المكونين إلى أنتاج اختلال صريح في توزيع السلطة المهنية والمسؤوليات البيداغوجية، وإلى تدن حتمي في المخرجات بفعل تهميش الوظيفة المحورية للتكوين في المنظومة التربوية واستبدالها بوظيفة الرقابة المغايرة لها في الجوهر.
يتجلى الاختلال العميق في شغور مواقع التخطيط والإدارة المركزية من الكفاءات التكوينية المستحقة وإبعاد رؤية التكوين عن هذه الوظائف المفصلية. فبدلاً من استعانة الوزارة بذوي الاختصاص الأصلي من المكونين لبناء الاستراتيجيات وصياغة السياسات التعليمية، جرى استبدالهم باختصاصات أخرى مع تضاعف لافت في أعداد المفتشين داخل هذه الوظائف القيادية بالوزارة، في مقابل انعدام شبه تام لأي وجود للمكونين. يؤدي هذا الإقصاء التنظيمي إلى:
يمتد الاختلال التنظيمي إلى المستوى الترابي (المقاطعي)؛ حيث تُختزل الإدارة التربوية المحلية المقاطعية في تسمية “مفتشية التربية“. إن التفتيش والتقويم جزء مهم من الوظيفة التربوية المحلية، ولكنه ليس كل الوظيفة. إن إطلاق مسمى “المفتشية” على الجهاز الإداري بأكمله يمنح الأولوية والواجهة لوظيفة الرقابة والتفقد، ويجعل التكوين والتخطيط والتنمية المهنية والموارد مجرد خدمات ثانوية ملحقة بسلك التفتيش، بدلاً من تنظيم الإدارة المقاطعية ككيان شامل يضم مصالح متعددة ومستقلة زاوية اختصاصها التخصص والتكامل.
ثانياً: الدرس الإقليمي — كيف أدارت دول الجوار التوازن المؤسسي؟
يكشف استقراء تجارب دول المنطقة أن الفصل التنظيمي بين التكوين والتفتيش مع ضمان تكاملهما الوظيفي ليس خياراً نظرياً، بل هو معيار دولي للحكامة التربوية الناجحة:
– المملكة المغربية: اعتمدت فصل التكوين عن التفتيش مؤسسياً بشكل كامل؛ حيث أُوكل التكوين والتطوير المهني إلى “المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين” وبوابات التنمية المهنية المستقلة، بينما ظلت وظيفة التفتيش ممثلة في “مركز تكوين مفتشي التعليم” بوصفه هيئة متخصصة في التقويم والرقابة البيداغوجية.
– الجمهورية التونسية: حافظت المنظومة على “التفقدية العامة لبيداغوجيا التربية” كجهاز للرقابة والتقييم، بالتوازي مع جهاز مستقل للتكوين المستمر يضم “المراكز الجهوية للتربية والتكوين المستمر” و*”المعهد الوطني لتكوين المكونين”*. التفقد حاضر بقوة، لكنه لا يبتلع مؤسسات التكوين.
– الجمهورية الجزائرية: أبقت على جهاز التفتيش للرقابة والتقييم الميداني، وجعلت دوره في التكوين محصوراً في تغذية “مؤسسات التكوين” ومديريات التربية بنتائج التقويم الميداني لإعداد الخطط التكوينية دون أن يتولى التفتيش دور مؤسسة التكوين ذاتها.
– جمهورية مصر العربية: أنشأت “الأكاديمية المهنية للمعلمين” ككيان مستقل كلياً يتولى التنمية المهنية وربط الترقيات والاعتماد ببرامج تكوينية، متجاوزة ترك هذه الوظيفة الحيوية تحت سلطة الأجهزة الرقابية.
ثالثاً: خريطة الطريق للإصلاح وتصحيح المسار:
إن الإصلاح المطلوب في موريتانيا لا يستدعي تضخيم الهياكل الإدارية أو تحويل العلاقة إلى صراع نفوذ بين المفتش والمكوّن؛ بل يتطلب إرادة تنظيمية لإعادة ترتيب الوظائف وفق مبدأ التكامل الوظيفي:
التكوين الأولي] ──> [الممارسة الميدانية] ──> [التفتيش والتقويم]
▲ │
│ ▼
[التكوين المستمر والعلاجي] <── [تشخيص الاختلالات وتحليل البيانات]
ولتحقيق هذه الحلقة المغلقة والجودة المستدامة، ينبغي البدء في الخطوات الهيكلية التالية:
تأسيس قيادة مركزية للتكوين: إنشاء هيكل تنظيمي بمستوى “مديرية عامة لتكوين وتنمية مهن التربية” تُعنى بالتكوين الأولي، والإشراف الفني على مدارس المعلمين، وتحليل الحاجات التكوينية، وتصميم برامج التكوين المستمر وتقييم أثرها.
استقلالية جهاز التفتيش وتحديد أدق لمسؤولياته: حصر “المفتشية العامة للتربية” في مهام التشخيص، والرقابة الميدانية، وتقويم الممارسات والأداء، وتحويل تقاريرها الميدانية إلى مادة علمية وبيانات لخدمة برامج التكوين.
إعادة التوازن لدوائر التخطيط وصناعة القرار: إدماج سلك المكونين والخبرات التكوينية في وظائف الإدارة المركزية والتخطيط، وإنهاء الاحتكار الفعلي لسلك واحد لضمان تمثيل كافة الرؤى البيداغوجية.
تحديث الإدارة التربوية المقاطعية: إعادة هيكلة “المفتشيات المقاطعية” وتحويلها إلى “إدارات مقاطعية للتربية”، تضم مصالح متخصصة ومستقلة: مصلحة للتفتيش والتقويم، مصلحة للتكوين والتنمية المهنية، مصلحة للتخطيط والمتابعة، ومصلحة للشؤون الإدارية والمالية.
خاتمة :
إن المطالبة بإعادة الاعتبار لوظيفة التكوين وسلك المكونين لا تعني بحال من الأحوال إضعاف التفتيش أو التقليل من قيمته التاريخية؛ فالتفتيش القوي يحتاج بالضرورة إلى تكوين قوي.
فإذا ظل المفتش يكتشف الخلل نفسه عاماً بعد عام دون وجود منظومة تكوين قادرة على استيعاب تقاريره وتحويلها إلى برامج علاجية، فإن الخلل ليس في المفتش بل في الحلقة التكوينية الغائبة. المدرسة التي تطمح لإعداد معلم جيد لا تبدأ من المفتش بل تبدأ من المكوّن، ثم يأتي المفتش ليختبر نجاح التكوين، لتعود الملاحظات مجدداً إلى المكوّن لتطوير الممارسات. عندها فقط يتوقف التنافس على السلطة الإدارية، وتستعيد المنظومة الموريتانية توازنها التربوي والحضاري.
وقبل أن نختم، سيستوقفنا استنتاج مركزي لا بدّ من إبرازه: إن ضعف المستويات الملاحظ اليوم لدى المعلمين والتلاميذ على حد سواء، لن يُعالج معالجة منهجية جذريّة إلا عبر إصلاح صارم يستند إلى إعادة الاعتبار للتكوين باعتباره القاعدة المركزية والأصل الأصيل للمنظومة التربوية.
ويقتضي هذا التحول الاستراتيجي إدماج رؤية التكوين في مجمل السياسات والبرامج والخطط التعليمية، بدءاً من حضور المكوّنين كخبراء وفنيين ومستشارين في ديوان وزير التربية، ومروراً بتمثيلهم في الإدارات المركزية وتأسيس مديرية مركزية متخصصة للتكوين، وصولاً إلى إعادة التفتيش إلى حجمه الوظيفي الطبيعي بإنهاء تغوّله ومحاولات مزاحمته للتكوين أو تهميش دوره.
محمد باب ولد موهدا، مكون وخبير تربية وتطوير،
رئيس المنتدى المدني لترقية التثقيف والتنمية



